

على مدار سنوات عملي في تطوير الحلول التقنية التى تخدم قطاع السياحة ، كنت ألاحظ أن معظم التحديات التي تواجه شركات السياحة والعمره لا ترتبط فقط بتوفير الفنادق أو الأسعار، بل تبدأ من طريقة إدارة عملية الحجز نفسها.
ففي كل موسم عمرة، كانت تتكرر نفس المشكلات؛ البحث عن الإمكانية، انتظار التسعير، التواصل مع أكثر من وسيط او سمسار، تحويل الأموال خلال فترة زمنية محدودة، ثم في كثير من الاحيان مفاجأة العميل بعدم توافر الغرف أو تغير الأسعار قبل إتمام الحجز. هذه الدورة التشغيلية أصبحت تمثل عبئًا حقيقيًا على شركات العمرة، وتنعكس في النهاية على تكلفة الرحلة وجودة الخدمة المقدمة للمعتمر.
من هذا المنطلق، جاء الإعلان خلال المنتدى التقني السنوي الثاني عشر لشركة Safa Soft عن اتفاقية التكامل التقني والتسويقي مع شركة جو سهل، وهي شراكة لم تهدف إلى مجرد توفير مخزون إضافي فقط، بل كانت إعادة تصميم كاملة لرحلة الحجز من منظور تقني وتشغيلي.
وخلال الجلسة الحوارية التي جمعتني بالمهندس حسام العسلي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Safa Soft، والمهندس محمد شنب، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة جو سهل، والمهندس محمود الحفناوي، الشريك المؤسس والمدير التقني لشركة جو سهل، حاولنا الإجابة عن سؤال رئيسي:
هل يمكن للتكنولوجيا أن تنهي المشكلات المزمنة المتعلقة بكثرة الوسطاء وعدم وضوح إجراءات الحجز الفندقي للمجموعات والتي تعاني منها شركات العمرة في حجوزات الفنادق؟
المشكلة ليست في الفندق... بل في رحلة الحجز

أثناء النقاش، أوضح المهندس حسام العسلي أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في توافر الفنادق فقط، وإنما في دورة العمل التي تمر بها شركات السياحة قبل الوصول إلى الحجز النهائي.
ففي كثير من الأحيان تبدأ الشركة بالبحث عن الإمكانية، ثم تنتظر الرد على طلب التسعير، ثم تتواصل مع وسيط أو أكثر، وبعد ذلك تبدأ رحلة تحويل الأموال قبل انتهاء مهلة تثبيت الحجز. وخلال هذه الفترة قد تضيع الإمكانية أو يرتفع السعر بصورة غير مبررة، لتبدأ العملية من جديد.
وأشار إلى أن هذه التحديات كانت الدافع الأساسي وراء بناء شراكة تجمع بين الخبرة التقنية لشركة Safa Soft وقوة شبكة الفنادق التي تمتلكها جو سهل، بهدف اختصار جميع هذه المراحل داخل منصة واحدة تعتمد على الإتاحة اللحظية والتأكيد الفوري.
ما الذي يتغير فعليًا؟
من وجهة نظري، كان من المهم ألا يقتصر الحديث على الإعلان عن شراكة جديدة، وإنما أن نفهم بدقة ما الذي ستضيفه هذه التقنية للسوق.
وخلال الحوار، لخص المهندس حسام العسلي أبرز التحديات التي تستهدفها المنظومة الجديدة، والتي تشمل:
صعوبة حجز عدة غرف في الفندق نفسه.
الاعتماد على الوسطاء للحصول على الأسعار والإمكانيات.
تغير الأسعار أثناء إجراءات الحجز.
بطء عمليات الدفع والتحويل المالي.
فقدان الحجز قبل اكتمال الإجراءات.
وأوضح أن التكامل الجديد الذي نتج عن هذه الشراكة والتي تعكسه منصة يارفل يسمح لشركات السياحة والعمرة بإجراء حجوزات تبدأ من غرفة واحدة وحتى 15 غرفة في عملية واحدة، مع الاطلاع على الإمكانية الفعلية والسعر الحقيقي لحظة البحث، ودون الحاجة إلى المرور بسلسلة طويلة من الإجراءات التقليدية او اللجوء لمجموعات التواصل الاجتماعي.
قوة الشبكة... أساس نجاح المنظومة
وعندما انتقل الحديث إلى المهندس محمد شنب، كان السؤال الذي يفرض نفسه: من أين تأتي هذه الإمكانيات الفندقية، وما الذي يميز جو سهل عن غيرها؟
وأوضح أن الشركة تمتلك شبكة واسعة من التعاقدات المباشرة مع أكثر من 80 مزود خدمة وسلسلة فنادق وشركات ضيافة، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على توفير الإمكانيات الفندقية بصورة مباشرة.
وأضاف أن دمج هذه الشبكة داخل منصات شركة صفا سيمنح شركات السياحة إمكانية البحث والمقارنة والحجز والتأكيد الفوري من خلال منصة واحدة، مع تطبيق سياسات الفنادق وآليات الدفع بصورة تلقائية، بالإضافة إلى توفير رقم موافقات "نسك للمعتمرين".
ومن خلال متابعتي للنقاش، أرى أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة لا تتمثل فقط في حجم شبكة الفنادق، وإنما في تحويل هذه الشبكة إلى خدمة متاحة داخل نظام التشغيل اليومي لشركات العمرة، بحيث تصبح جميع مراحل الحجز جزءًا من تجربة واحدة متكاملة.
التكنولوجيا وحدها لا تكفي... بل يجب أن تتحمل ضغط المواسم
ويبقى التحدي الأكبر أمام أي منصة تقنية هو قدرتها على العمل بكفاءة خلال مواسم الذروة.
وفي هذا السياق، أوضح المهندس محمود الحفناوي أن الجانب التقني كان محورًا رئيسيًا في تصميم المشروع، حيث تم تطوير آليات الربط بما يسمح بتمرير آلاف عمليات الحجز مع الحفاظ على سرعة الاستجابة ودقة البيانات.
وأشار إلى أن الإتاحة الفندقية تنعكس بصورة لحظية داخل النظام، وبمجرد استكمال الحجز والدفع يتم إرسال التأكيد مباشرة، وهو ما يقلل من احتمالات التضارب أو تغير الأسعار بعد إتمام العملية.
هل نحن أمام تغيير في أسلوب العمل؟
أثناء الحوار، وجدت أن السؤال الأهم لم يكن متعلقًا بالتقنية فقط، بل بتأثيرها على طريقة عمل شركات العمرة.
وكانت الإجابة واضحة؛ فنحن لا نتحدث عن استبدال وسيلة حجز بأخرى، بل عن إعادة صياغة دورة العمل بالكامل.
فبدلًا من قضاء ساعات طويلة في التواصل مع الموردين والوسطاء وانتظار الردود، ستصبح شركات السياحة والعمرة قادرة على تنفيذ عملية الحجز خلال دقائق، مع الاطلاع على الإتاحة الفعلية، والأسعار المباشرة، وإتمام الدفع، والحصول على التأكيد الفوري، وهو ما ينعكس مباشرة على سرعة خدمة العملاء وكفاءة التشغيل وربحية الشركة.

أكثر من اتفاقية... رؤية لتطوير القطاع
ما خرجت به من هذه الجلسة هو أن نجاح أي مشروع تقني لا يقاس بعدد المزايا التي يقدمها، وإنما بقدرته على حل مشكلات حقيقية يعاني منها السوق.
واليوم، يبدو أن الشراكة بين صفا سوفت وجو سهل تمثل خطوة عملية في هذا الاتجاه؛ فهي تجمع بين الخبرة في تطوير أنظمة شركات السياحة، وبين شبكة قوية من التعاقدات الفندقية، لتقديم نموذج جديد يعتمد على الإتاحة اللحظية، والحجز المباشر، والدفع الآمن، والتأكيد الفوري.
ورغم أن هذه الخطوة تمثل بداية لمسار طويل من التطوير، فإنها تعكس رؤية واضحة نحو بناء منظومة أكثر كفاءة وشفافية، تقلل من الاعتماد على الوسطاء، وتمنح شركات السياحة والعمرة أدوات تشغيل أكثر ذكاءً، بما يسهم في تحسين تجربة الحجز ورفع جودة الخدمات المقدمة للمعتمرين.
وفي تقديري، فإن مستقبل قطاع العمرة لن يتحدد فقط بحجم التعاقدات أو عدد الفنادق المتاحة، بل بقدرة الشركات على توظيف التكنولوجيا لإدارة عملياتها بكفاءة. وإذا نجحت هذه الرؤية في تحقيق أهدافها، فقد نشهد تحولًا حقيقيًا في الطريقة التي تُدار بها حجوزات الفنادق في هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.